مجمع البحوث الاسلامية
796
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
حقيقته إن هو إلّا أحقادهم وحسدهم وبغضهم والعداوة الّتي يضمرونها نحوك ، فهذا الحجاب بمكوّناته هو الّذي يمنعهم من النّظر إلى شخصيّتك الرّساليّة ، أو أن يدركوا كلامك ، حتّى أنّ الحسنات تتحوّل في نظرهم إلى سيّئات . ب - سيطرة الجهل والتّقليد الأعمى على قلوبهم ؛ بحيث إنّهم غير مستعدّين لسماع كلمة الحقّ من أيّ شخص كان . ج - إنّ حواسّ المعرفة لدى هؤلاء ، كالأذن - مثلا - تنفر من كلام الحقّ ، وتكون كأنّها صمّاء . أمّا الكلام الباطل فإنّهم يتذوّقونه ويفرحون به ، وينفذ إلى أعماقهم بسرعة ، خاصّة وأنّ التّجربة أثبتت أنّ الإنسان إذا لم يكن راغبا بشيء ، فسوف لا يسمعه بسهولة . أمّا إذا كان راغبا فيه ، فإنّه سيدركه بسرعة ، وهذا يدلّ على أنّ الإحساسات الدّاخليّة لها تأثيرها على الحواسّ الظّاهرة ، بل وتستطيع أن تطبعها بالشّكل الّذي تريده . أمّا نتيجة هذه الموانع الثّلاثة فهي : أوّلا : الهروب من سماع الحقّ ، خاصّة عندما يكون الحديث عن وحدانيّة الخالق ، لأنّ هذه الوحدانيّة تتناقض مع أصول اعتقادات المشركين . ثانيا : اللّجوء إلى توجيهات خاطئة لتبرير انحرافهم ، حيث كانوا يصفون الرّسول صلّى اللّه عليه وآله بتهم مختلفة كالسّاحر والشّاعر والمجنون ، وبذلك تكون عاقبة كلّ أعداء الحقّ أنّ أعمالهم الرّذيلة تكون حجابا لهم دون الحقّ والهدى . وهنا ينبغي القول : بأنّ من يريد أن يسلك الصّراط المستقيم وأن يأمن من الانحراف ، يجب عليه أوّلا وقبل كلّ شيء إصلاح نفسه . يجب تطهير القلب من البغض والحسد والعناد ، وتطهير الرّوح من التّكبّر والغرور ، وبشكل عامّ تطهير النّفس من جميع الصّفات الرّذيلة ، لأنّ القلب إذا تطهّر من هذه الرّذائل وأصبح نظيفا نقيّا ، فسوف يدرك جميع الحقائق . لهذا السّبب نرى أنّ الأمّيّين وأصحاب القلوب النّقيّة يدركون الحقائق أسرع من العالم الّذي لم يقم بتهذيب نفسه . ثانيا : لما ذا تنسب الحجب للخالق ؟ الآيات تنسب الحجب إلى الخالق ، حيث قوله تعالى : وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ، كذلك هناك آيات قرآنيّة أخرى بنفس المضمون . وهذه التّعابير قد يستشمّ منها رائحة « الجبر » في حين أنّها لم تكن سوى صدى لأعمالهم . ولكن هذه الحجب - في الواقع - هي بسبب الذّنوب والصّفات الرّذيلة لنفس الإنسان ، وإن هي إلّا آثار الأعمال . ونسبة هذه الأمور إلى الخالق يعود إلى أنّه سبحانه وتعالى هو الّذي خلق خواصّ الأمور ، وهذه الأعمال الرّذيلة والصّفات القبيحة لها هذه الخواصّ . وقد تحدّثنا عن هذه الفكرة في البحوث السّابقة ، مستفيدين من الشّواهد القرآنيّة الكثيرة . ثالثا : ما معنى الحجاب المستور ؟ هناك آراء كثيرة للمفسّرين حول الحجاب المستور ، منها : أ - ( مستور ) صفة للحجاب ، ونستفيد من ظاهر التّعبير القرآنيّ أنّ هذا الحجاب مخفيّ عن الأنظار . وفي